الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

29

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هذه الجملة ليست من حكاية كلام الملائكة بل هي تذييل لقصة محاورة الملائكة مع إبراهيم ، والفاء في فَأَخْرَجْنا فصيحة لأنها تفصح عن كلام مقدر هو ما ذكر في سورة هود من مجيء الملائكة إلى لوط وما حدث بينه وبين قومه ، فالتقدير : فحلّوا بقرية لوط فأمرناهم بإخراج من كان فيها من المؤمنين فأخرجوهم . وضمير « أخرجنا » ضمير عظمة الجلالة . وإسناد الإخراج إلى اللّه لأنه أمر به الملائكة أن يبلغوه لوطا ، ولأن اللّه يسّر إخراج المؤمنين ونجاتهم إذ أخّر نزول الحجارة إلى أن خرج المؤمنون وهم لوط وأهله إلا امرأته . وعبر عنهم ب الْمُؤْمِنِينَ للإشارة إلى أن إيمانهم هو سبب نجاتهم ، أي إيمانهم بلوط . والتعبير عنه ب الْمُسْلِمِينَ لأنهم آل نبيء وإيمان الأنبياء إسلام قال تعالى : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ البقرة : 132 ] . وضمير فِيها عائد إلى القرية ولم يتقدم لها ذكر لكونها معلومة من آيات أخرى كقوله : وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ [ الفرقان : 40 ] . وتفريع فَما وَجَدْنا تفريع خبر على خبر ، وفعل وَجَدْنا معنى علمنا لأن ( وجد ) من أخوات ( ظن ) فمفعوله الأول قوله : مِنَ الْمُسْلِمِينَ و ( من ) مزيدة لتأكيد النفي وقوله : فِيها في محل المفعول الثاني . وإنما قال : فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دون أن يقول : فأخرجنا لوطا وأهل بيته قصدا للتنويه بشأن الإيمان والإسلام ، أي أن اللّه نجّاهم من العذاب لأجل إيمانهم بما جاء به رسولهم لا لأجل أنهم أهل لوط ، وأن كونهم أهل بيت لوط لأنهم انحصر فيهم وصف الْمُؤْمِنِينَ في تلك القرية ، فكان كالكلي الذي انحصر في فرد معين . والمؤمن : هو المصدق بما يجب التصديق به . والمسلم المنقاد إلى مقتضى الإيمان ولا نجاة إلا بمجموع الأمرين ، فحصل في الكلام مع التفنن في الألفاظ الإشارة إلى التنويه بكليهما وإلى أن النجاة باجتماعهما . والآية تشير إلى أن امرأة لوط كانت تظهر الانقياد لزوجها وتضمر الكفر وممالأة